بقلم سعد فياض
أصبحت التسريبات الإعلامية واحدة من أهم أدوات التأثير في الرأي العام العراقي، خصوصاً في ظل بيئة سياسية معقدة، واستقطاب حزبي، وتمدد غير مسبوق لمنصات التواصل الاجتماعي. لم تعد التسريبات مجرد معلومات خرجت للعلن، بل تحوّلت إلى سلاح إدراكي يستخدم لتدمير الخصوم، إعادة تشكيل الوعي الجمعي، وتوجيه المزاج العام في لحظات حساسة.
التسريب في العراق لا يعمل بمعزل عن السياق، بل يتحرك ضمن بيئة مشاعر، حيث تُستهلك المعلومات سريعاً، وتتشكل الروايات قبل أي تحقق رسمي.
1. التسريبات في العراق كجزء من حرب الإدراك
تُمثل التسريبات في العراق أدوات مثالية لحرب الإدراك لأنها:
اولا: تُستخدم في لحظات سياسية حساسة (قبل تشكيل حكومة، استجواب، تصويت برلماني، الانتخابات).
ثانيا: تنتشر وسط عطش جماهيري للمعلومات بسبب ضعف الشفافية الحكومية.
ثالثا: يرافقها نشاط واسع للمؤثرين الذين يعيدون صياغتها وفق أجنداتهم.
رابعا: تتضخم بسرعة في بيئة إعلامية مشحونة.
٢.أمثلة توضّح أثر التسريبات في تشكيل الإدراك
اولا: التسريبات الصوتية التي طالت شخصيات سياسية بارزة
شهد العراق خلال السنوات الأخيرة انتشار تسريبات صوتية لمسؤولين وسياسيين – بعضها صحيح، وبعضها مجتزأ أو مفبرك – لكنها أحدثت جميعاً هزات في الرأي العام.
الأثر الإدراكي:
ضرب مصداقية الشخصيات المعنية.
خلق حالة غضب جماهيري تجاه المنظومة السياسية.
استثمار إعلامي ضخم في منصات السوشال ميديا.
حتى عندما ظهرت لاحقاً معلومات تُشكك بصحة بعض المقاطع، كان الوعي الجمعي قد تشكّل بالفعل، إذ تستقر الفكرة في ذهن الجمهور قبل التحقق.
مثال توضيحي:
تسريب صوتي لشخصية سياسية خلال تفاوض أو اجتماع داخلي يتم اجتزاؤه ليبدو وكأنه اعتراف أو تهديد، فتتشكل موجة وعي مضادة رغم أن السياق الحقيقي مختلف كلياً.
ثانيا: تسريبات تتعلق بـ ملفات فساد قبل جلسات الاستجواب
في عدة حالات، ظهرت وثائق وصور تُتهم مسؤولين بالفساد قبل ساعات أو أيام من جلسة استجواب برلمانية.
هذه التسريبات سواء كانت دقيقة أو غير مكتملة لعبت دوراً نفسياً خطيراً:
تهيئة الجمهور ضد المسؤول قبل جلسة الاستجواب.
إحراج الكتلة السياسية التي ينتمي إليها.
خلق رأي عام ضاغط يدفع النواب لاتخاذ موقف معين.
تعمل هذه التسريبات ضمن تكتيك معروف في حرب الإدراك يسمى تهيئة الوعي عبر الصدمة قبل الفعل الرسمي.
ثالثا: تسريبات تكشف خلافات داخل البيت السياسي أو الحزبي
غالباً ما تظهر تسريبات لاجتماعات مغلقة أو محاضر جلسات داخلية لأحزاب أو كتل سياسية.
هدفها المباشر ليس الإعلام، بل إرباك الصف الداخلي.
الأثر الإدراكي:
إظهار الحزب او الكيان او الكتلة الواحدة على أنه منقسم.
خلق صورة قيادية ضعيفة أو متصارعة.
استثمار الخصوم لهذه الصورة لتعزيز روايتهم عن “عدم الانسجام” أو تفكك القرار.
مثال واقعي: في لحظات التفاوض لتشكيل حكومات سابقة، ظهرت تسريبات تُظهر مواقف متناقضة داخل الحزب او الكتلةالواحدة، ما أعطى للشارع انطباعاً بأن القرار السياسي مرتبك وضعيف.
رابعا: التسريبات الأمنية خلال الأزمات
في بعض الأوقات الحساسة—مثل الاحتجاجات، أو التوترات الأمنية—تنتشر تسريبات غير رسمية تُنسب إلى جهات أمنية أو استخبارية.
وتتضمن غالباً:
تقديرات ميدانية،
تحذيرات،
أو معلومات عن خطط مفترضة.
حتى عندما تكون هذه التسريبات غير دقيقة، إلا أنها تؤثر في:
درجة الخوف المجتمعي،
ثقة الجمهور بالمؤسسة الأمنية،
وانتشار روايات مضادة تغذيها جهات سياسية.
هذا النوع من التسريبات يُعد أخطر أشكال حرب الإدراك لأنه يستهدف الأمن النفسي للمواطن.
خامسا: التسريبات التي تظهر قبيل الانتخابات
قبل كل انتخابات برلمانية أو محلية، تظهر موجات من التسريبات التي تستهدف:
سمعة مرشحين،
نزاهة مفوضية الانتخابات،
أو وثائق تدعي وجود تزوير.
التأثير الإدراكي:
خلق صورة أن العملية الانتخابية غير موثوقة.
التأثير في الناخب المتردد.
التشكيك بالنتائج قبل حدوثها.
وعلى سبيل المثال ان تسريب تسجيل لموظف أو مدير في المفوضية—حتى لو كان مفبركاً—يُعاد نشره آلاف المرات، ثم يصبح جزءاً من «الرواية السائدة» التي يصعب تصحيحها.
سادسا: التسريبات الاقتصادية المتعلقة بالعقود والصفقات
انتشرت في العراق تسريبات لوثائق تتعلق بعقود حكومية أو مشاريع خدمية ضخمة.
وبغض النظر عن صحتها، يُعاد تدويرها رقمياً لتصبح:
أداة لتوجيه الغضب ضد وزارة ما،
أو لإسقاط وزير،
أو لتغيير مسار مشروع معين.
هذه التسريبات تُحدث أثراً نفسياً أكبر من أثرها الفني لأنها تخاطب «الحساسية الشعبية من الفساد».
٣. لماذا تنجح التسريبات في العراق؟
اولا: الضعف المؤسسي في التواصل الحكومي
عندما تغيب الرواية الرسمية، تصبح الرواية المسربة الأكثر تداولاً.
ثانيا: البيئة السياسية القائمة على الصراع
التسريب يتحول إلى سلاح قانوني بلا قانون يُستخدم بحرية في المعارك السياسية.
ثالثا: قوة السوشال ميديا العراقية
الجمهور العراقي ينتمي إلى واحدة من أكثر المجتمعات العربية استهلاكاً للمحتوى السياسي.
رابعا: فقدان الثقة
انعدام الثقة بالمؤسسات يجعل أي تسريب—حتى لو ضعيف المصداقية—مقنعاً عند الجمهور.
٥. التسريبات كجزء من استراتيجية الاغتيال المعنوي
في حرب الإدراك العراقية، يُعتبر التسريب أكثر أدوات الاغتيال المعنوي تأثيراً.
ففي لحظة واحدة يمكن لتسجيل أو وثيقة:
تدمير سمعة مسؤول،
إسقاط تحالف سياسي،
تغيير اتجاه الرأي العام،
وإرباك عملية حكومية أو برلمانية.
وغالباً يكون الهدف الحقيقي ليس كشف الحقيقة، بل صناعة إدراك مزيف أو مضخم.
٦. ما المطلوب للحد من فوضى التسريبات؟
اولا: تفعيل وحدات إعلام حكومي سريع للرد خلال ساعات.
ثانيا: تدريب الإعلاميين على التحقق من صحة المواد المسربة.
ثالثا: تشريع قوانين للخصوصية الرقمية دون المساس بحرية الإعلام.
رابعا: نشر ثقافة التحقق الرقمي لدى الجمهور.
خامسا: إحالة التسريبات الملفقة إلى القضاء باعتبارها جزءاً من “حرب معلومات”.
التسريبات في العراق ليست مجرد معلومات تُنشر بطريقة غير رسمية، بل هي جزء من منظومة أكبر تمثل حرب إدراك كاملة المعالم. إنها أدوات تُستخدم لتوجيه الجمهور، خلق الشعور الغاضب، تفكيك الصف السياسي، وإعادة تشكيل المعادلات قبل أن تتدخل المؤسسات الرسمية.
وفي ظل غياب الضبط المهني والرواية الرسمية السريعة، سيبقى التسريب أحد أكثر الأسلحة قدرة على اختراق الوعي العراقي وتشكيل رأي عام مضطرب، قد يستغرق تصحيحه سنوات.



























