الراصد – سيروان عبدالكريم علي
سياسي وأكاديمي
تشهد العلاقات الإيرانية الكوردية مرحلة جديدة من التعاون الاستراتيجي، تجلت بوضوح في زيارة رئيس إقليم كوردستان العراق السيد نيجيرفان بارزاني إلى طهران للمشاركة في منتدى الحوار الطهراني. وقد برز الرئيس خلال هذه الزيارة كشخصية سياسية معتدلة، لها وزنها على الساحة الإقليمية والدولية، وتمتلك مهارات دبلوماسية رفيعة يشهد بها أصدقاؤه وحتى خصومه. حظيت زيارتهباهتمام إعلامي إيراني لافت، وتم استقباله استقبالاً رسمياً رفيع المستوىز
وأبرزت وسائل الإعلام الإيرانية اللغة الفارسية الطليقة التي تحدث بها الرئيس نيجيرفان بارزاني، مما أثار إعجاب المشاركين في المنتدى. وهذا يعكس أحد جوانب القوة الدبلوماسية لسيادته المتمثلة في براعته اللغوية وقدرته على التواصل بعدة لغات، مما يسهل له بناء جسور التواصل مع مختلف الأطراف.
كما برز الرئيس نيجيرفان بارزاني خلال مشاركته في منتدى حوار طهران كسياسي معاصر يمتلك رؤية استراتيجية واضحة للمنطقة، مؤكداً على ضرورة تطبيق الدستور العراقي كحل أمثل لمشاكل العراق الداخلية. وقد سلط الضوء في كلمته على أهمية العلاقات التاريخية والثقافية واللغوية التي تربط إقليم كوردستان بإيران، مشيراً إلى أن نحو 60% من التبادل التجاري بين إيران والعراق يمر عبر إقليم كوردستان.
وأظهر الرئيس نيجيرفان بارزاني حنكة سياسية في تناوله للمواضيع الحساسة، خاصة فيما يتعلق بالأمن الإقليمي، مؤكداً أن إقليم كوردستان “لن يكون مصدر خطر للجيران، خاصة للجمهورية الإسلامية الإيرانية”. هذا الموقف الواضح يعكس سياسة الاعتدال والتوازن التي ينتهجها في علاقاته مع دول الجوار.
أكد الرئيس خلال لقاءاته مع القيادة الإيرانية على موقفه الثابت المناهض للعنف والإرهاب بكافة أشكاله. وفي تطرقه إلى قضية حزب العمال الكوردستاني، شدد على أن “القضية الكوردية لا يمكن حلها من خلال الحرب وإراقة الدماء”، وأبدى استعداد إقليم كوردستان للعب دور مساعد في أي جهود للحل السلمي. هذا الموقف المبدئي من الرئيس نيجيرفان بارزاني تجاه العنف والإرهاب جعله شريكاً موثوقاً به في المنطقة، ومحاوراً مقبولاً لدى جميع الأطراف. كما أن إعلان حزب العمال الكوردستاني عن حل نفسه وإلقاء السلاح مؤخراً، والترحيب السريع الذي أبداه سيادتهبهذه الخطوة، يعكس حرصه على دعم كل المبادرات التي تهدف إلى تحقيق السلام والاستقرار في المنطقة.
وشدد الرئيس نيجيرفان بارزاني في حواره مع الإعلام الإيراني على التزامه بالفيدرالية ضمن إطار العراق الموحد، قائلاً: “نحن نقول، إننا نعيش في جغرافيا اسمها العراق. علينا أن نحدد نموذجاً للإدارة يرضي الجميع في العراق. هذا النموذج معرّف في دستور العراق وصوّت 80٪ من شعب العراق لصالحه.”
وأوضح أن المشكلة الرئيسية هي عدم تطبيق نظام فيدرالي حقيقي، مشيراً إلى أنه “إذا أرادوا تطبيق الدستور، سيتمكن العراق من حل معظم المشاكل الحالية بين إقليم كوردستان وبغداد”. هذا الطرح المنطقي والمعتدل يعكس نهج سيادته في معالجة القضايا الخلافية عبر الحوار والتوافق، بعيداً عن التشدد والمواجهة.
أثبت الرئيس نيجيرفان بارزاني من خلال زيارته إلى طهران ومشاركته في منتدى الحوار الطهراني أنه سياسي كوردي معاصر ومعتدل، يمتلك قدرات دبلوماسية عالية ورؤية استراتيجية واضحة للمنطقة. وقد استطاع، من خلال مواقفه المتوازنة ولغته الدبلوماسية المرنة، أن يعزز مكانة إقليم كوردستان كطرف فاعل ومؤثر في المعادلة الإقليمية، وأن يفتح آفاقاً جديدة للتعاون مع جمهورية إيران الإسلامية في شتى المجالات.
إن هذه الزيارة، وما تضمنته من لقاءات رفيعة المستوى مع القيادة الإيرانية، تشكل خطوة مهمة على طريق تعزيز التعاون الثنائي بين إقليم كوردستان وإيران، وتفتح آفاقاً واعدة لمستقبل العلاقات بين الجانبين، في ظل المتغيرات الإقليمية المتسارعة التي تشهدها المنطقة.





























