سيروان عبدالكريم علي سياسي وأكاديمي
في المشهد الجيوسياسي المعقد للشرق الأوسط، أظهر عدد قليل من القادة البراعة الدبلوماسية والرؤية الاستراتيجية التي يتمتع بهانيجيرفان بارزاني، رئيس إقليم كردستان العراق. وضعته دبلوماسيته الهادئة والفعالة في موقع الوسيط الحاسم في المنطقة، خاصة فيعملية السلام التاريخية بين تركيا وحزب العمال الكردستاني التي توجت بإعلان الحزب عن حل نفسه في أيار 2025.
واجهت تركيا لفترة طويلة تحديات معقدة فيما يتعلق بسكانها الكورد، مع النزاع الذي استمر لعقود مع حزب العمال الكردستاني والذي أودىبحياة الألاف منذ عام 1984.
وأخيرا شهد عام 2024-2025 تحولاً دراماتيكياً في هذا الصراع عندما اكتسبت عملية السلام زخماً غير متوقع. بدأت مع دعوة زعيم حزبالحركة القومية التركي (MHP) دولت بخجشلي المفاجئة في تشرين الثاني 2024 للسماح لزعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلانبمخاطبة البرلمان. تطورت هذه الدعوة إلى محادثات مباشرة، أدت إلى دعوة أوجلان في شباط 2025 لحزب العمال الكردستاني لنزعالسلاح وحل نفسه. وفي 2025، عندما أعلن حزب العمال الكردستاني قراره التاريخي بإنهاء هيكله التنظيمي وكفاحه المسلح. وبحسبكلمات الحزب، فإن القضية الكوردية وصلت إلى “نقطة يمكن حلها من خلال السياسة الديمقراطية”. فتحت هذه اللحظة الفاصلة إمكانياتللسلام الدائم بعد أربعة عقود من الصراع.
طوال هذه العملية، برز الرئيس نيجيرفان بارزاني كشخصية محورية تعمل يتماشى نهجه في الدبلوماسية بالضبط مع ما ورد في النصالكوردي المقدم: “استطاع بهدوء محسوب أن يعيد رسم صورة دور العراق، جامعاً بين اليقظة السياسية والفهم العميق للتغيرات الإقليميةوالعالمية”. تنبع فعالية الرئيس من موقعه السياسي ونهجه الدبلوماسي. كرئيس لإقليم كردستان العراق، يحافظ على علاقات قوية مع تركياوايران وسوريا مع كسب احترام المجتمعات الكوردية عبر الحدود. تجعله هذه المصداقية المزدوجة وسيطاً مثالياً في مفاوضات تركيا وحزبالعمال الكردستاني المعقدة.
خلال المراحل الحاسمة من عملية السلام، استضاف الرئيس نيجيرفان بارزاني اجتماعات مهمة مع وفود من حزب الشعوب المساواةوالديمقراطية حزب DEM المؤيد للكورد في تركيا، الذين عملوا كوسطاء بين الحكومة التركية وحزب العمال الكردستاني. في شباط 2025،وبعد لقاءات مع وفد حزب DEM الذي التقى بأوجلان، أكد الرئيس نيجيرفان بارزاني “التزامه الثابت بنجاح مبادرة السلام في تركيا”،مصرحاً أن “لطالما دعونا لعملية السلام وحل القضايا من خلال الحوار”.
ينبع النجاح الدبلوماسي للرئيس نيجيرفان بارزاني من نهجه المعايَر بدقة تجاه القوى الإقليمية. كما يلاحظ النص الكوردي، “حافظ علىخطوط الاتصال المفتوحة مع القوى الكبرى مثل واشنطن وبروكسل، دون أن تكون العلاقات على حساب أنقرة أو طهران”. هذا الموقفالمتوازن أكسبه الثقة من جميع الأطراف. كما تجسد علاقته مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان هذا النهج. كذلك في تشرين الثاني2024، خلال فترة حاسمة عندما كانت تركيا تزن إمكانية عملية سلام كوردية جديدة، التقى الرئيس مع أردوغان في أنقرة. وفقًا لجاليبدالاي، الزميل الأول في تشاتام هاوس، “ضمن الحزب الديمقراطي الكوردستاني، يعتبر نيجيرفان بارزاني الأكثر انسجاماً مع أولوياتأنقرة، حيث يفهم أهمية الحفاظ على علاقات ثنائية قوية”.
وفي كلمته في منتدى أربيل في شباط 2025، أظهر الرئيس نيجيرفان بارزاني حكمته الدبلوماسية فيما يتعلق بعملية السلام، حيث صرحأن “الدعوة هي للسلام” وأن إقليم كوردستان العراق مستعد لتقديم “أية مسؤولية قد تقع علينا”. وشدد على ضرورة أخذ العملية على محملالجد، وليس كخطوة تكتيكية، مؤكداً التزامه بالحل الحقيقي للصراع بدلاً من المكاسب السياسية المؤقتة.
ما يميز قيادة الرئيس نيجيرفان بارزاني هو قدرته على تحمل مسؤولية كبيرة دون إظهار الأهمية الذاتية. كما يصف النص الكردي بدقة: “لايفرض نفسه أبداً ولا يُظهر نفسه على أنه أكثر أهمية من أي شخص آخر، لكن رؤيته جعلته شخصية مهمة”.
هذا النهج المتواضع والفعال أكسب نيجيرفان بارزاني احتراماً عبر الانقسامات السياسية والعرقية. عندما أعلن حزب العمال الكردستانيقراره بحل نفسه في 12 أيار 2025، كان الرئيس من بين أول القادة الإقليميين الذين استجابوا، حيث صرح أن القرار “يظهر نضجاًسياسياً… ويضع الأساس لسلام دائم من شأنه أن ينهي عقوداً من العنف والألم والمعاناة”.
تمتد جهود الرئيس نيجيرفان بارزاني لصنع السلام إلى ما هو أبعد من الصراع بين تركيا وحزب العمال الكردستاني. لقد عمل على استقرارالعلاقات بين مختلف الفصائل الكوردية عبر سوريا والعراق وتركيا، مدركاً أن الوحدة الكوردية ضرورية للاستقرار الإقليمي وأثبتت وساطتهقيمتها في تسهيل الحوار بين قوات سوريا الديمقراطية ومختلف القوى الإقليمية. يمتد وصوله الدبلوماسي إلى تسهيل الحوار بين بغدادوالعواصم العربية، مما يدل على رؤيته للعراق كمركز للتوازن الإقليمي. كما ورد في النص الكوردي، عمل الرئيس نيجيرفان بارزاني “بهدوءعلى إعادة العراق إلى موقعه الطبيعي كمركز للتوازن الإقليمي، بعيداً عن دور التحريض أو تصعيد التوتر”. يدرك بأن السلام الدائم يتطلبالاستقرار الاقتصادي. كما ورد في النص الكوردي، فقد اتبع “رؤية ترى أن جذب الاستثمار هو بوابة رئيسية لتعزيز استقرار البلاد”. تحتقيادته، عمل إقليم كوردستان على أن يصبح نقطة دخول آمنة للشركات العالمية إلى السوق العراقية الأوسع. تكمل هذه الرؤية الاقتصاديةجهوده الدبلوماسية، حيث يخلق الترابط الاقتصادي حوافز لاستمرار السلام. يبلغ حجم التجارة بين إقليم كردستان وتركيا أكثر من خمسةمليارات دولار سنوياً، مما يخلق مصالح متبادلة في الحفاظ على الاستقرار.
في منطقة غالباً ما تتسم بالتفكير قصير المدى والسياسات التي تقوم على مبدأ الربح والخسارة، يمثل نيجيرفان بارزاني نهجاً مختلفاً. ساعدت دبلوماسيته الصبورة والمتوازنة في خلق الظروف لما قد يكون اختراقاً تاريخياً في النزاع الكوردي التركي. مع تقدم عملية السلام، معتعقيدات نزع سلاح حزب العمال الكوردستاني وإعادة الإدماج التي لا تزال قيد الملاحة، من المرجح أن تكون مشاركة الرئيس نيجيرفانبارزاني المستمرة أمراً أساسياً. إن قدرته على الحفاظ على الثقة عبر الانقسامات السياسية مع الدفاع عن حقوق الكورد ضمن إطارالاستقرار الإقليمي تضعه في موقع فريد للمساعدة في توجيه هذه العملية نحو نهاية ناجحة.
يجسد الرئيس نيجيرفان بارزاني كيف أن القيادة لا تحتاج إلى أن تكون صاخبة لتكون فعالة. بكلمات النص الكوردي، فإن نجاحه “ليسمجرد نجاحه الشخصي، بل يُقرأ منهجه كمثال على فرصة بناء دبلوماسية جديدة وهادئة وناعمة وعقلانية في العراق تتجاوز عقد الماضي”. في منطقة متعطشة لمثل هذه القيادة، يقدم بناء الجسور الدبلوماسية لنيجيرفان بارزاني الأمل في مستقبل أكثر سلاماً.
سيروان عبدالكريم علي سياسي وأكاديمي





























