بغداد – الراصد 24
من المعلوم بمكان، وفي أغلب الأحيان أن الانسان لا يختار مذهبه الديني، بل يرثه من أبويه، ويأخذ عنهم التعاليم
والمعتقدات الخاصة بذلك المذهب بناء على ما يصل إليه من مشاهدات تترسخ في ذهنه منذ الطفولة، فينشأ ويترعرع على كم هائل من الأحداث التي مر بها الى أن يصل الى سن يصبح فيه قادرا على اختيار نوع العلاقة بين ذاته وبين المجتمع المحيط، فإما أن يستطيع التوائم والانسجام مع المحيط حتى وان اختلف وتنوع بمذاهبه وأعراقه، وإما أن يصبح غير قادر على مجاراة هذا التنوع، فيلجأ الى التقوقع على نفسه وذاته وما يحمل من أفكار، ويتجه نحو تكفير المحيط، ومحاربته، كرد فعل على هذا التنوع حيث أنه لن يقبل إلا رأيه ولن يرى إلا ما يراه هو مناسبا وصحيحا بناء على ما بني عليه من معتقدات. ومن هنا ينشأ مفهوم الطائفية بعمقه وأبعاده. وفي تعريف الطائفية الذي جاء من خلال الكثير من التعريفات على أنها جماعة من الناس يمتازون بمذهب معين أو رأي خاص عن غيرهم يتعنتون بموقفهم، ويرفضون الطوائف الأخرى، ويغبنون حقوقها ليكسب طائفته حقوقا تجعل منها العليا على بقية الطوائف.
وهذا ما يجعل البعض من جعل الطائفية “استراتيجية” مرتبطة بنخب سياسية، وتارة أخرى بنخب مجتمعية تتنافس فيما بينها للوصول إما لسدة الحكم، أو لاكتساب مراكز متقدمة في المجتمعات بهدف القيادة والسيطرة، سواء كانت محلية بمجتمع داخلي، أو حتى من خلال استراتيجية عابرة للمجتمعات باختلاف دولها وقاراتها وأنماط معيشتها، هذا على صعيد الأفراد ، أما على صعيد الدولة والمؤسسات فإنه يصبح الأمر عبارة عن سلاح تحارب به الدولة (الطائفية) باقي الدول لانشاء تفرد خاص يقودها إما للقيادة في منطقة جغرافية ما، أو للدخول في نزاعات طويلة الأمد يمكن لها أن تصبح نزاعات عسكرية وحروب دامية تهدف الى نشر أفكارها وما تؤمن به. عند ذلك لن تكون مظاهر المكون السياسي الذي بني على أساس طائفي معول إثراء للمعرفة والبناء، وتشييد اللحمة الوطنية الجامعة لكل الهويات والانتماءات من مختلف المشارب والأصول، إنما ستكون معول هدم لقيم التسامح والنهضة، ومفهوم المواطنة الايجابية الصالحة، وافتقار للوعي الجمعي الذي سيحدث شخا مجتمعيا كبيرا يصعب رأبه أو اصلاح ما أفسده من تشققات عنيفة داخل بناءه.
وبحسب الدراسات، فإن أولى ملامح الطائفية المؤسسية التي وجدت في بلادنا العربية كانت على أيدي الحملة الفرنسية على مصر عام 1798م، حيث صاغت الى التوجه الى التجار الأقباط الذين كانوا يمتلكون المال وسيادة السوق المصري، لمساعدتهم في تكريس الاحتلال الفرنسي لمصر بحكم ما ترتبطهما من عقيدة ودين، وكان للبعض منهم دورا كبيرا في قمع ثورة القاهرة الثانية سنة 1800م، حيث م ّول بعضهم وج ّهز فرسان للانطواء تحت راية الفرنسيين لقمع الثورة واحباطها.
كما كان للحركة الصهيونية العالمية أيضا دورا هاما في الطائفية من خلال ما تم الاتفاق عليه من توصيات لمؤتمرها العالمي في بال بسويسرا عام 1879م، والذي كانت توصياته بمثابة الخطوات الفعلية التي تم تنفيذها على أرض الواقع والتي سميت بـ (بروتوكولات حكماء صهيون)، حيث ساهمت من خلالها في بث سموم الفرقة
والتعصب الديني بين شعوب المنطقة، واعتبارهم شعب الله المختار، وأن فلسطين أرض الميعاد الأزلي لهم والموعودون بها من الله، واشغال المحيط العربي بالخلافات البينية لتحييد فكرة خطرهم عن أعين الجميع، بتوجيه البوصلة نحو خلافات داخلية لا تمت بعمق الصراع بصلة.
وقد نجحت الحركة الصهيونية عبر تاريخها باشعال نار الفتنة في العديد من المواقع لا سيما في أركان الدولة العثمانية التي كانت تسيطر على أغلب الدول العربية وامتدت رقعتها لمساحات شاسعة في 3 قارات، هي أوروبا، وآسيا، وأفريقيا. فكانت النزاعات بين المسلمين والأرمن، واشعال فتيل النزاعات في شبه الجزيرة العربية والعراق
وسوريا الكبرى، واحتفاظ مصر بحكمها الذاتي المنفصل تماما عن مركز الحكم في اسطنبول، وصعود حركات التحرر الداخلية المنادية بضرورة هدم الخلافة، بل واستنهاض همم القوميات في داخل الدولة على الاستقلالية عن مركز الحكم لتصبح الدولة العثمانية على اتساع رقعتها وكما وصفت في ذلك الزمن (بالرجل العجوز المريض ) الغير قادر على مجابهة كل تلك الانشقاقات مما أدى الى فقدانها لقوة الحكم، وزعزعة النظام الداخلي الذي أدى الى انهيارها لاحقا، وعزل السلطان عبد الحميد الثاني آخر سلاطين الدولة المركزية. مما ساهم في وقوع العديد من دول المنطقة تحت وطأة الاستعمار البريطاني الذي كان جاهزا للانقضاض على الدولة وفرض سيطرته الاستعمارية عليها، وكانت نتيجته تسليم فلسطين للعصابات الصهيونية لاقامة دولتهم المشؤومة عام 1948 على ثراها وتشريد أهلها وبناء دولة وسط محيط رافض لها ولوجودها، ومنغمس في نزاعات مستمرة منذ تأسيس دولتهم الى يومنا هذا بهدف استرداد الحق العربي في أرض فلسطين وطرد المحتلين الصهاينة منها.
لقد تعددت أشكال الطائفية في منطقتنا العربية فظهرت حركات وجماعات قامت وعبر سنوات بنشر فكر طائفي مقيت يحمل الكره والعداء والظلام لشعوب المنطقة أفرز أبشع حركات الاجرام والارهاب التي عانت منه الكثير من شعوبنا لا سيما العراق وسوريا واكتوت بناره دول أخرى كدول المغرب العربي، والأردن ولبنان من خلال القيام بعمليات اجرامية ضد المدنيين في كل تلك الدول، بل وامتدت سطوتهم الى فرض سيطرتهم على أجزاء واسعة من العراق وسوريا على أيدي اتباع ما يسمى ب(دولة الخلافة الاسلامية) داعش، الذين مارسوا أقسى أنواع التعذيب للسكان في أماكن سيطرتهم والقتل اللا مبرر والوحشي اتجاه كل من يخالفهم ويخالف معتقدهم، فلم يسلم من بطشهم لا أتباع المذهب السني الذين ينتسبون له، ولا أبناء المذاهب الأخرى من الشيعة، وأبناء المعتقدات الموجودة في المنطقة قبل وجودهم كالمسيحيين والازيديين والآشوريين وغيرهم الكثير ممن عانوا ولا زالوا من هذا الحكم الجائر والمفروض عليهم عنوة عنهم.
لقد أدخلت الطائفية الشرق الأوسط في مستنقع كبير تشغل سكانه بعضهم ببعض، لينحسر تأثيرهم العالمي، وتذهب قوة اقتصاداتهم الى كيفية دفع أذى الطائفية بدلا من التوجه الى البناء والعمران، ولتذهب أحلام الشباب العربي هباء وتقتل الأمل فيهم ، وفي مدى قدرتهم على البقاء والحياة في رقعة جغرافية يشوبها القتل والخراب والدمار.
والسؤال الملح للأنظمة الحاكمة في منطقتنا العربية .. هل لا زالت قادرة على بناء مستقبل مشرق للشباب وللأجيال القادمة في ظل كل هذه الصراعات التي أبطأت قدرتها التنموية، وحدت من نموها وازدهارها وأوقفت دفة الابتكار والابداع والبحث العلمي ، والانتاج الاستراتيجي لمقومات الدولة من غذاء ودواء وسلاح. هذا السؤال هو الواجب ترقب اجابته من خلال خطوات فعلية للقضاء على آفة الطائفية والالتفات نحو المستقبل بعين البصير وفهم الحكيم وروح الشباب الطامح.
وللحديث بقية……
راني إبراهيم العمري
استشاري تدريب مؤسسي
– مدير عام قبة الابتكار للاستشارات والتدريب. – رئيس اللجنة المنظمة لملتقى قبة الابتكار الدولي للتطوير والتنيمة المستدامة…المملكة الأردنية الهاشمية




























