بغداد – الراصد 24
في يوم الجمعة الموافق الأول من كانون الأول ٢٠٢٣ أحيا مجلس التراث البغدادي في المركز الثقافي البغدادي في شارع المتنبي ذكرى المؤرخ عبد الرزاق الحسني.
وشارك في الندوة السيد أحلام عبد الرزاق الحسني والدكتور صلاح عبد الرزاق ، وبإدارة الباحث عادل العرداوي ، بحضور عدد من المثقفين والمهتمين بتاريخ العراق.
أحلام الحسني وذكريات العائلة
تحدثت ابنة الراحل الحسني عن سيرته وحياته العائلية فقالت: ولد الحسني في الشورجة عام ١٩٠٣ وكان والده يعمل بالتجارة، ودخل الكتاب لتعلم القراءة والكتابة. وفي سن الخامسة عام ١٩٠٨ دخل المدرسة الجعفرية . ثم انتقل والده إلى النجف الأشرف بعد نكول صاحب البيت الذي اشتراه والده ، فاضطر لمغادرة البيت والسفر إلى النجف للاستقرار هناك. وكان في شبابه يميل للعمل الصحفي وكان متواجداً في النجف وعمره ١٧ عاماً أثناء اندلاع ثورة العشرين، وكان يوزع منشورات الثورة. وصار يكتب في الصحف وهو في تلك السن المبكرة. عاد إلى بغداد وحصل على وظيفة في رئاسة الوزراء من قبل نوري السعيد وبقي في منصبه منذ الأربعينيات وحتى عام ١٩٦٤ في عهد عبد السلام عارف حيث تم تعيينه مفتشاً في وزارة التربية ، فرفض إبعاده عن الوثائق وأوراق التاريخ التي كان ينتقي منها في كتابه الشهير (تاريخ الوزارات العراقية)، وطلب إحالته على التقاعد ليتفرغ للتأليف والكتابة.
في انقلاب مايس ١٩٤١ الذي قاده رشيد عالي الكيلاني والعقداء الأربعة وفشل الانقلاب تعرض الحسني للسجن في العمارة وكان معه صديقه محمد صديق شنشل وبقي لمدة أربع سنوات.
بعد قيام الجمهورية طلب منه عبد الكريم قاسم أن يؤرخ لوزارته فرفض الحسني ، ولم يكتب عن العهد الجمهوري.
رزق الحسني بتسعة أبناء وابنة واحدة هي السيدة أحلام، خمسة منهم توفوا في حياة أبيهم ، أحدهم كان صغيراً في السابعة من عمره ، والآخر عمره ١٧ عاماً مات غرقاً في الكرادة الشرقية حيث كان منزل العائلة. ومات بعده اثنان ، وبقي منهم سليم وآخر ، والسيدة أحلام.
كان الحسني يملك مكتبة تضم (١٧) ألف كتاب ، تم نقلها إلى المكتبة الوطنية ، لكنها تعرضت للنهب بعد سقوط نظام صدام عام ٢٠٠٣ . وبقي منها (٢٠٠٠) كتاب فقط ، تبرعت بها السيدة أحلام إلى مكتبة ابن نما في مدينة الحلة. وهي مشغولة لإعادة طباعة كتب والدها . تمكنت من طباعة عشرة كتب على رأسها كتاب (تاريخ الوزارات العراقية) في أحد عشر مجلداً. وفي النية إهداء بعض كتبه ومقتنياته إلى المركز الثقافي البغدادي.
منهج الحسني في كتابة التاريخ
قدم الدكتور صلاح عبد الرزاق بحثه بعنوان:
عبد الرزاق الحسني ومنهجه في كتابة التاريخ
((كتاب تاريخ العراق السياسي الحديث نموذجا))
قدم فيه تقييماً لميزات الحسني في الكتابة التاريخية ونقداً لبعض الموارد الواردة في الكتاب المذكور.
ميزات منهج الحسني
أولاً: الاكاديمية
والرجوع إلى المصادر الرصينة العربية والإنكليزية ، مقررات مجلس الوزراء العراقي ، تقارير دار الاعتماد البريطانية المرفوعة إلى عصبة الأمم في جنيف ، تقرير دار الاعتماد عن تقدم العراق خلال عشر سنوات ١٩٢١-١٩٣١ ، مذكرات المجلس التأسيسي (الأعيان) ، محاضر مجلس الأعيان ، محاضر مجلس النواب.
ثانياً : الموسوعية
والبحث والكتابة في مجالات عديدة كالتاريخ والمعاهدات الدولية والوزارات العراقية والأحزاب السياسية. وفي العقائد والأديان عن الصابئة واليزيديين والبهائيين والشيعة والخوارج والبابيين. وكتب في تاريخ الصحافة ، الأغاني الشعبية ، في أدب الرحلات ، ثورات العشرين والنجف وكربلاء . وكتب في المراقد المقدسة في العراق.
ثالثاً: الوثائقية
حيث يحرص على الحصول على الوثائق كالرسائل والمذكرات والاتفاقيات ومذكرات التفاهم ونصوص المعاهدات الدولية. مما يعزز وجهة نظره ويقوي البحوث التي يكتبها.
في المقدمة
-يتحدث عن اعتقاله في سجن العمارة ولقائه بمحمد صديق شنشل
– حرصه على الاستفادة من ملاحظات وإرشادات القراء والإشادة بهم
– يروي أن الملك علي شقيق الملك فيصل الأول أعطاه مذكرة كتبها فيصل. وهي وثيقة تاريخية رصينة تعالج مشاكل المجتمع العراقي.
– وقد درستُ المذكرة في كتابي (مشاريع إزالة التمييز الطائفي في العراق) وقمتُ بتسليط الضوء على أسبابها وأهدافها ونتائجها ومواقف السياسيين منها.
– حصوله على جائزة المجمع العلمي العراقي لعام ١٩٤٩ عن كتابه (تاريخ العراق السياسي الحديث)
– نال جائزة تقديرية من السوربون عام ١٩٥٧ عن نفس الكتاب
في الفصل الأول
يتناول تاريخ العراق والحضارات القديمة فيقول عن الشعب الشومري وليس السومري وأنهم ليسوا من الساميين ولا صلة لهم بالقبائل السامية.
– كما تناول الأكديين والعيلاميين والعموريين ثم الأشوريين فالكلدانيون والفرس واليونانيون ، ثم الفرس الساسانييون.
– ويتناول بروز الإسلام من الخلافة الراشدة ثم الدولة الأموية والعباسية والايلخانية والجلائرية ثم السلاجقة فالصفويون والعثمانيون ودخول سلاطينهم بغداد والمعارك التي دارت حولها.
– ويتناول ثورة العشرين التي خصص لها كتاب مفرد، ثم تشكيل الحكومة المؤقتة برئاسة الكيلاني ، وحكومة الانتداب البريطاني حتى تحقق الاستقلال ودخول عصبة الأمم المتحدة في ٣ تشرين الأول ١٩٣٢.
الفصل الثاني
تحدث الحسني عن المصالح البريطانية في العراق ومقارنتها بمصالحها في الهند.
– يبدي فهماً عالياً في متابعة الاستراتيجية البريطانية وصراعها مع فرنسا وغيرها في الشرق الأوسط.
-يستعين الحسني بمصادر يوردها في هامش الصفحة من الكتب الصادرة آنذاك (الشرق الإسلامي في العصر الحديث) للكاتب حسين مؤنس ، (على طريق الهند) ، ملوك العرب ) لأمين الريحاني ، (تاريخ الكويت) لعبد العزيزي الرشيد، (تكوين العراق الحديث) لهنري فوستر ، (العراق في أربعة قرون) للونكريك ، إضافة إلى مصادر إنكليزية مثل كتاب فيليب إيرلاند وفوستر وكوك
– يستعين بمحاضر مجلس اللوردات البريطاني لسنة ١٩٠٣
– يستعين بنصوص المعاهدات البريطانية مع شيخ الكويت عام ١٨٩٨
– تناول تأسيس شركة الهند الشرقية البريطانية ودورها في منطقة الخليج العربي.
– كما يسلط الضوء على المقيمية البريطانية في بغداد وقناصلها في البصرة والموصل
الفصل الثالث:
يتناول احتلال العراق وتقاطع المصالح الأجنبية وخاصة بريطانيا وفرنسا وألمانيا وتركيا وروسيا.
سأتناول أربعة محاور ، كما يأتي:
١-انبثاق الوعي العربي
– ينتقد الحسني الدولة العثمانية (ص ٥٨ ) نقداً رصيناً فيقول:
– أخذ الترك الإسلام عن العرب لكنهم عجزوا عن احتمال عبء ترك الحضارة العربية.
– ففي الوقت الذي هضم العرب كل ما وجدوه من حضارات بعد الفتح ، وأوجدوا حضارة خاصة بهم ازدهرت لقرون طويلة ، بينما بقي الترك قوماً محاربين ولم يهضموا الحضارة العربية ولا الحضارات الأخرى لتكوين حضارة جديدة قائمة بنفسها.
– هذا ما جعل الشباب العربي ينطلق ليرتشف من المدارس العصرية ثقافتها حتى تحرك في نفوسهم النشاط ، وفي عروقهم الدم العربي.
– ومع التعليم الحديث ولدت فكرة البعث العربي. وزادهم نشاطاً بعض الحركات الثورية في صفوف العرب ضد الإمبراطورية العثمانية كحركة محمد علي باشا في مصر الذي أراد التخلص من الهيمنة العثمانية وولاتها.
– وكحركة الوهابيين التي قام بها فريق من العرب ضد الترك للتخلص منهم!!؟؟ فهي وإن كانت دينية مذهبية إلا أنها مهدت بصورة غير مقصودة الطريق للبعث العربي الحديث. وكحركة الامام يحيى في اليمن.
– ثم يستنتج الحسني : فالوعي العربي سابق للفكرة التركية الطورانية. وقد استغلت الدول الأوربية الوعي القومي العربي ، وخاصة فرنسا . وصار الترك ينظرون للعرب أساتذتهم في الدين والثقافة كأتباع. ومهد التطرف العنصري التركي إلى إضعاف العلاقة الدينية التي كانت تربط العرب بهم. فكان ذلك سلاحاً ماضياً في تقطيع أوصال الإمبراطورية . وبذلك انفتح لمفكري العرب التعاون مع الدول الأوربية في سبيل التحرر من النير التركي. إذ لم يعد السلطان خليفة المسلمين بل كان حاكماً تركياً يستعبد العرب، (ص ٥٩)
٢-مدرستا الهند والقاهرة
يتناول الحسني السياسة البريطانية في الشرق الأوسط والتي كانت تركز على مركزين رئيسين هما الهند والقاهرة. وقد اصطلح على الأول المدرسة البريطانية الهندية ، والثاني المدرسة البريطانية العربية.
يرى أصحاب المدرسة الهندية أن التوغل البريطاني في البلاد العربية يجب أن يبدآ من عدن والخليج العربي وينتهي إلى بغداد. وينقل الحسني خطاب اللورد كرزن أمام مجلس اللوردات البريطاني عام ١٩١٢ الذي يؤكد فيه على أهمية بغداد الاستراتيجية. وكان على بريطانيا كسب ابن سعود الوهابي لما له من نفوذ في الجزيرة العربية وأطرافها.
أما أصحاب المدرسة العربية فهم يرون أنه على بريطانيا السيطرة أولاً على مصر وثم سوريا ، لحمل عرب الشام على مقاومة النفوذ الفرنسي ومنع من التوسع. وبذلك تحفظ الطريق بين الهند والجزر البريطانية، وتستحوذ على المدن الإسلامية المقدسة مكة والمدينة والقدس ، فتجعل العرب يدينون لها بالولاء.
ولما كان لشريف مكة الحسين بن علي مقام ديني وسمعة واسعة في تلك الأنحاء ، كان من مصلحة إنكلترا أن تصطفيه وتزّعمه على العرب.
ثم يحلل الحسني الفرق بين المدرستين انطلاقاً من فكره القومي فيقول:
الفارق الرئيس بين المدرسيتين هو أن المدرسة العربية أدركت بعض الادراك الشعور العربي القومي ، وطموح العرب في التحرر والاستقلال، فأيقنت أنه من المستحيل أن توجه المصالح البريطانية في الوطن العربي بالقوة ، لأنها تكون مهددة تهديداً مستمراً بسخط العرب وثوراتهم. وهذا يكلف الحكومة البريطانية من الجهد والنفقة والتضحية قدراً يفوق ما تربحه عادة لتأمين هذه المصالح. كل ذلك جعل بريطانيا لانتهاج سياسة الاسترضاء ، بمنح العرب بعض الحقوق، وإقناعهم بأن ذلك يرضي مطامحهم. وبهذا تضمن بريطانيا لنفسها إيجاد أنصار من العرب، ولو كانوا قليلي العدد ، يعملون على حماية المصالح البريطانية في الوطن العربي بأقل جهد ونفقة وتضحية.
أما أصحاب المدرسة الهندية فهم متأثرون بالفكرة الاستعمارية في الهند، ولا يفكرون بغير توسيع الإمبراطورية. وقد كشفت الأحداث خطل سياستهم في الهند نفسها حيث واجهت بريطانيا مشكلة الهند الكبرى.
كما أن آرنولد ويلسون الحاكم المدني في العراق وممثل هذه المدرسة قد خاب خيبة فظيعة في تنفيذ نظريتها في بلاد الرافدين. وكان لسياسته فضل مشهود في انطلاق ثورة العشرين عام ١٩٢٠. وسجل الثوار العرب مقاومة دامية ضد الاستعمار الذي كانت تدعو إليه المدرسة الهندية.
لقد توالت الثورات حتى اضطر ويلسون إلى تغيير مواقفه عندما دخل عضواً في لجنة ألفها مجلس العموم البريطاني إثر ثورة القسام عام ١٩٣٦ في فلسطين. فصار ويلسون يرسل إلى جريدة التايمس اللندنية ردوداً على كل من يستهين بحق العرب في الحرية ، ويطالب حكومته البريطانية بترك سياسة التعسف في صلاتها بالعرب ، وتتخلى عن مشروع الوطن الصهيوني في فلسطين، مستشهداً في كتاباته هذه بممارسته الحكم المباشر في العراق وخيبته فيه ، وقناعته بضرورة إنصاف العرب.
أثناء الحرب العالمية الأولى بدأت سيطرة بريطانيا على العراق وفلسطين والخليج ، وفرنسا على سوريا ولبنان يعترف الحسني بأن المدرسة الهندية قد انتصرت على العربية ، ولكن ما أصاب الانكليز من خيبة بعد معركة الكوت عام ١٩١٦ ، وهزيمة الانكليز في الدردنيل في شبه جزيرة غاليبولي التركية عام ١٩١٥ التي كانت تهدف إلى غزو إسطنبول من قبل قوات الحلفاء (بريطانيا وفرنسا مقابل تركيا وألمانيا والنمسا).
بعد هاتين الهزيمتين رجحت كفة فريق القاهرة ، وساعد على رجحان كفته عجز ابن سعود عن دعم الحملة البريطانية على العراق ، وتقلص نفوذه في الجزيرة ، إضافة إلى أن ما أفنقته بريطانيا على ابن سعود أضعاف ما طلبه الشريف حسين أو قبضه من بريطانيا . الأمر الذي جعل إنكلترا تتجه في مفاوضاتها مع شريف مكة عام ١٩١٥.
وقد ساعد فريق القاهرة بروز نجوم المس بيل ولورنس العرب اللذين جذبا نظر الرأي العام الإنكليزي. مما حمل السياسيين الإنكليزي على قبول وجهة نظرهما.
لم تنتظر بريطانيا تنفيذ مقترحات بيل ولورنس قبل احتلال العراق خاصة عندما شعر الانكليز أن الجيش الروسي قد يتقدم نحو بغداد ويحتلها، فصار القرار الاسراع باحتلال العراق لأسباب عسكرية وسياسية. أرسلت بريطانيا الجنرال مود ليعالج هزيمة الكوت فتمكن من مهاجمة الجيش التركي في ٩/ ١/ ١٩١٧ فانسحب الجيش التركي نحو بغداد ، فلاحقته القوات البريطانية حتى وصلت سلمان باك في ٢٨/ ٢/ ١٩١٧ ، فاضطر الترك إلى إخلاء بغداد والانسحاب نحو الشمال باتجاه الموصل. وبعد أسبوعين احتلت القوات البريطانية بغداد في ١١/ ٣/ ١٩١٧. وبذلك أصبحت القضية العراقية برمتها بأيد بريطانيا عسكريا وسياسيا.
٣- أسباب احتلال العراق
يؤيد الحسني آراء كثير من الكتّاب والباحثين المحققين بأن الأسباب الحقيقية هي:
١-وضع العراق الجغرافي الذي يتوسط المنطقة بين البحار والدول وطرق التجارة العالمية.
٢- وقوع العراق في عقدة الخطوط الجوية التي بدأ استخدامها للنقل والتجارة ينمو باضطراد. وكذلك نقل الجنود والأليات العسكرية والعتاد والذخائر وغيرها.
٣- نفط العراق الذي ازدادت أهميته قبل الحرب عندما تم تموين الجيش البريطاني من الوقود الذي ينتجه مصفى عبادان. وكانت الاكتشافات قد أكدت وجوده في العراق. كما أن استخدام النفط أصبح هاماً في تسيير وسائل النقل كالطائرات والبواخر والسيارات والصناعات.
٤- خصوبة أرض العراق وثرواته الزراعية والمياه الغزيرة مما يجعل العراق بلداً زراعياً يصدر منتوجاته لبريطانيا وبقية دول العالم. كما أنه يشكل سوقاً جيدة للصادرات البريطانية كالأقمشة القطنية والصوفية والمكائن والعدد الزراعية.
٤- ثورة العشرين القومية!!
يخصص الحسني فصلاً لثورة العشرين التي يصفها بعنوان (مرحلة من مراحل الكفاح القومي العربي) ، وهو وصف يعبر عن نظرة ضيقة لثورة العشرين الوطنية الإسلامية. فقد قادتها المرجعية الشيعية وأصدرت فتاوى دينية بالجهاد الدفاعي. كما التزم أبناء العشائر بالفتاوى وواجهوا القوات البريطانية ايماناً منهم بالجهاد والشهادة وهي قيم إسلامية وليست قومية. ورفض أبناء العراق الاحتلال الأجنبي لوطنهم العراق وخضوعهم للمستعمر الذي يهيمن على بلادهم وثرواتهم ومصيرهم ومستقبلهم.
يحاول الحسني الدفاع عن الإسلام باعتباره انجازاً عربياً ، فالقرآن نزل بلغة العرب ، وهو دستور العرب الحي الذي يحفظ لغتهم ويصون عقيدتهم ، ويحرس حقهم بالاعتزاز بماضيهم. وأن النبي هو الزعيم العربي الخالد محمد بن عبد الله (ص).
وينبري الحسني في تعزيز نظرته القومية عن ثورة العشرين فيقول (إن الثورة العربية ليست إلا صورة من صور الكفاح القومي. فقد احتفظ العرب بالجهاد فيما احتفظوا به من مميزات حياتهم.
يقول الحسني : لقد جاهد العرب مع الترك الحاكمين لدفع الاستعمار الأجنبي حتى إذا تبين لهم إلتواء الترك ، وعجزهم عن الاستمرار في الكفاح ، انفردوا بالجهاد لتخليص بلادهم من شرور الطامعين. ص ١١١
وهذا يخالف الحقائق أن العثمانيين كانون يعتمدون الأساس الإسلامي في حروبهم ويتبنون مفاهيم الجهاد والشهادة. وكان يرافق الجيوش قاض وفقيه يفتون للجيش في المسائل التي يواجهها المقاتلون ، وكان يسمى (قاضي عسكر) . وكان يرافق السلطان وقادة الجيش في فتوحاتهم.
وكان الدولة العثمانية مقسمة إلى ثلاث مناطق عسكرية قضائية:
١-قضاء عسكر الروملي (أوربا)
٢- قضاء عسكر الاناضول ، وقضاء عسكر العرب (العراق والشام وفلسطين ولبنان)
٣- قضاء عسكر مصر (وشمال أفريقيا)
الغريب أن الحسني يتحدث عن اعلان الجهاد من قبل العلماء الترك ، وأن عرب العراق قد التزموا بهذه الفريضة. ويضيف (لاسيما بعد أن أيد هذا الإعلان علماء الدين على اختلاف درجاتهم ، وتباين نزعاتهم) ، وهذا غير صحيح إطلاقاً.
ففي العراق لم يصدر أي فقيه سني في بغداد أي إعلان تأييد أو إصدار فتوى ضد الاحتلال البريطاني. أذكر منهم كبار العلماء:
١-عبد الرحمن الكيلاني ، نقيب الاشراف
٢- محمد درويش الآلوسي ، عضو مجلس إدارة بغداد
٣- نجم الدين الواعظ ، قاضي بغداد
٤- أمجد الزهاوي ، كبير علماء بغداد
٥- محمد سعيد النقشبندي أحد علماء بغداد
٦- محمد شكري الآلوسي أحد علماء بغداد ثم صار وزيراً للعدل في حكومة الاحتلال
٧- علي الآلوسي من اتحاد الولاية (أنجمن ولاية)
٨- قاسم القيسي مفتي الجزيرة في الموصل
٩- عثمان الدواجي عضو مجلس الأوقاف في الموصل.
١٠- كما لم يشارك في حركة الجهاد السياسيون وأعضاء البرلمان العثماني مثل: يوسف السويدي والد ناجي وشوكت ، مصطفى الواعظ ، رافع السنوي ، عبد المحسن السعدون ، عبد المجيد الشاوي ، مراد بيك سليمان أخو رئيس الوزراء حكمت سليمان، محي الدين الكيلاني ابن عبد الرحمن النقيب.
وللأمانة العلمية وجدتُ قاضياً سنياً واحداً اتخذ موقفاً ايجابياً من إعلان الجهاد العثماني. فقد أصدر محمد أديب الجراح القاضي في محكمة الاستئناف في الموصل فتوى بالجهاد ضد البريطانيين بعنوان (رسالة الجهاد على فتوى خليفتنا الأعظم السلطان غازي محمد رشاد) وقد صدرت في مطبعة نينوى بالموصل عام ١٩١٤.
من الغريب أن يتجاهل عبد الرزاق الحسني فتاوى الجهاد التي أصدرتها المرجعية الشيعية بزعامة المرجع الأعلى السيد كاظم اليزدي وبقية العلماء. وشارك العلماء الشيعة في ميادين القتال وذهبوا إلى ساحات المعارك أمثال السيد محسن الحكيم وعبد المحسن الكاظمي والسيد محمد مهدي الحيدري والسيد هبة الدين الشهرستاني وعشرات الفقهاء والعلماء وفضلاء الحوزات العلمية في الكاظمية والنجف وكربلاء. وقد كرستُ كتابي (المرجعية والاحتلال الأجنبي) الذي يتناول الغزو البريطاني للعراق عام ١٩١٤ و حركة الجهاد العراقية التي ابتدأت بفتوى المرجع الأعلى السيد كاظم اليزدي بإعلان الجهاد الدفاعي. وقد دعمت وأيدت وتطوعت العشائر العراقية. وحدثت معارك يوردها علماء الدين وزعماء العشائر ، لكنها لم تستطع التفوق على الآلة العسكرية البريطانية.
في الختام تحدث الحضور وقدموا بعض مداخلاتهم كالشاعر السيد جابر الجابري أبو مدين والكاتب فتاح الكعبي ، والتراثي ياسر العبيدي .
وفي الختام قام الدكتور بتقديم شهادة تقدير من مجلس التراث البغدادي إلى السيد أحلام عبد الرزاق الحسني تقديراً لجهودها في إحياء تراث والدها المؤرخ الحسني.





































